
" إن عدونا بدأ في استخدام سلاحٍ في غاية الخُبث , يمتلك من قوة التدمير ما لا عهد للإنسان به و مالا طاقة لنا به " " و إنني أخشى يا شعبي الغالي أن استمرارنا في الحرب يعني فناء الشعب الياباني بهذا السلاح الجهنمي الجديد " " علي أن أقول لكم إننا خسرنا الحرب , و علينا أن نتحمل ما لا طاقة لنا به ... "بصوتٍ منكسر و بلغةٍ حزينة , وبكلماتٍ قليلة وواضحة بالرغم أنها في منتهى القسوة و الصراحة , أعلن إمبراطور اليابان ( هيروهيتو - Hirohito ) لشعبه استسلام اليابان و هزيمتها هزيمةً نكراء ...مضت على الكارثة أربعةُ و ستّون عاماً , لا تزال تُظهر بكل وضوح مدى وحشية الإنسان المادي المتمثلة في إلغاء الطرف الآخر , لا لشيء سوى لاختلاف الشكل و العقيدة و المصالح... فلم ينتج من تلك الحروب سوى إراقة الدم البريء , بدون فارقٍ , و دون هدف , و دون جدوى . . . ومع ذلك لا يزال الغرب يتشدّقون بالأخلاقيات , و يحلفون بأغلظ الأيمان بأنهم هم المتمدّنون , زعماء الحضارة , رسل السلام , و لا يزالوا يفترون على الإسلام ظلماً و جوراً أنه لم ينتشر إلا بالسيف و القهر ... و الأغرب من ذلك هو تصديق بعض من بني جلدتنا لهذا الكلام .. متناسين الحروب التي أشعلها المستعمر الأجنبي , و الإبادات الجماعية التي قاموا بها طمعاً بنهب ثروات تلك البلاد , و استعباد من فيها .في هذا الموضوع سوف نتحدث عن بشيءٍ من التفصيل عن المجزرة التي حدثت في اليابان في مثل هذا اليوم , السادس و التاسع من أغسطس من عام 1945 , و ما هي الأسباب التي دعت إلى إستخدام السلاح النووي ضد اليابان , وما انعكاساتها على العالم أجمعكما سنتحدّث عن لغز قد يكون أحد الأسباب التي مكّنت الإتحاد السوفييتي السابق من دخول سباق التسلّح النووي , و من ثمّ دخول العالم إلى حقبة ( الحرب الباردة ) التي لا يعكس اسمها على الواقع الذي مرّ به العالم من نزاعات و حروبٍ لم تجف شلالات دمائها بعد . . . و لذلك أنصحكم بإتخاذ وضعية مريحة و سليمة لقراءة الموضوع ... كذلك يُنصح بتقسيم الوقت لعدم الملل في القراءة ...

يعزو كثير من المؤرخين أسباب الحرب العالمية الثانية إلى مشاكل تُركت بغير حل بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م).
لقد أوجدت الحرب العالمية الأولى والمعاهدات التي عقدت في نهايتها مشاكل سياسية واقتصادية جديدة، واستغل قادة أقوياء في عدد من الأقطار هذه المشاكل لكي يستولوا على السلطة.
إن رغبة الحكام في ألمانيا وإيطاليا واليابان في احتلال أقاليم أخرى أدى إلى وضع جديد، من شأنه أن يجعلهم في صراع مع الحلفاء , بهدف وضع حدٍ لاحتكارهم الطويل لاستعمار العالم .
لم تكن قنبلة ( هيروشيما ) هي أول قنبلة نووية تم تفجيرها , بل كانت قنبلة أخرى فجّرها الأمريكيون على سبيل التجربة , بصحراء ( الآموغوردو - Alamogordo ) في ولاية ( نيومكسيكو – New Mexico ) الأمريكية في 1945/7/16 .
مقطع فيديو للتجربة ( ترينيتي )
و قد سمّاها الأمريكيون بـ ( ترينيتي =" الثالوث " – Trinity )* , و هي قنبلة انشطارية و مادتها المشعة ( بلوتونيوم 239 ) و كانت بقوة 20 كيلو طن من مادة T.N.T .كانت ( ترينيتي ) هي نتيجة نجاح سنواتٍ متواصلة من الجهود السرية المُكثّفة تحت مشروع ما سُمِّي يـ ( مشروع مانهاتن - Manhattan Project )حيث جنّد هذا المشروع حوالي 125 ألف شخص حول الولايات المتحدة الأمريكية , و بنفقات بلغت ملياري دولار ( وهذا مبلغ ضخم جداً في تلك الحقبة ! ) .تعود فكرة إنشاء سلاح نووي الأمريكي إلى بداية الحرب العالمية الثانية , و ذلك عندما كتب العالم الفيزيائي اليهودي ( ألبرت آينشتاين – Albert Einstein ) رسالةً إلى الرئيس الأمريكي ( فرانكلين روزفلت - Franklin Roosevelt ) أفادت بأن تفتيت الذرة قادر على إحداث قنبلة أكثر تخريباً من كل القنابل التي ظهرت حتى ذلك الوقت , جاء ذلك بعد انتشار أنباء عن بدء الألمان مشروع السلاح النووي الخاص بهم .بدأ مشروع إنتاج السلاح النووي أول الأمر في بريطانيا , لكنه حُوِّلَ إلى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب بُعد المكان عن متناول سلاح الجو الألماني . و تحت تعاون أمريكي – بريطاني – كندي .وقد ضم المشروع أبرز علماء الفيزياء في أمريكا , لكن المُلاحظ أن معظم أولائك العلماء هم يهود , بعضهم ممن فرّ من أوروبا هرباً من اضطهاد ألمانيا النازية , و إيطاليا الفاشية لليهود , ( أو بالأصح اضطهادهم الشعوب التي لا تنتمي إلى العرق الآري ).. من أشهرهم :الألمان ( ألبرت آينشتاين )** , ( أوتو روبرت فريش– Otto Robert Frisch ) , ( رودولف بايرلز – Rudolf Peierls ) الهنجاري ( ليو زيلارد - Leó Szilárd ) , كما أن زوجة الإيطالي ( إنريكو فيرمي - Enrico Fermi ) , ( لاورا - Laura ) كانت يهودية أيضاً .كان القائد العسكري للمشروع هو الجنرال ( ليزلي جروفز - Leslie Groves ) و كان المدير العلمي لمشروع ( مانهاتن ) هو ( روبرت أوبنهايمر - Robert Oppenheimer ) و هو يهودي أيضاً ! , و الذي اشتهر بمقولته بعد نجاح اختبار القنبلة ( ترينيتي ) : " الآن أصبحت الموت ،، مدمر العوالم " .

- موقع تفجير ( ترينيتي )
الجنرال ( ليزلي جروفز ) و العالم ( روبرت أوبنهايمر ) أمام ما تبقّى من البرج الذي كان يحمل القنبلة ( ترينيتي ) -
الطريف في الأمر أن الأمريكيين حين أجروا هذه التجربة لم يكونوا متأكدين مما إذا كانت ستنفجر فعلاً أم لا , إذ كانوا يخشون أن تكون الأفكار الخاصة بالطاقة النووية نظرية أكثر منها عملية ...
كانت المهمة الأساسية هي استخدام السلاح النووي ضد ألمانيا النازية لإجبارها على الهزيمة , ووضع حدِّ لإكمال مشروعها النووي المتعثّر أصلاً بسبب المشاكل المالية و العلمية .
لكن مع حصار الإتحاد السوفييتي لـ ( برلين – Berlin ) و سيطرتها على المدينة بعد ذلك في 1945/4/25 , و انتحار زعيم ألمانيا النازية ( أدولف هتلر – Adolf Hitler ) في 1945/4/30 ... تم تغيير المهمة لتصبح اليابان هي الهدف الأساسي .


مع بدء اليابان ببرنامج غزوها الخاص في سنة 1931م، استولت القوات اليابانية على ( منشوريا - Manchuria ) ، وهو إقليم في الصين غني بموارده الطبيعية. ويعد بعض المؤرخين أن غزو اليابان لـ ( منشوريا ) هو البدء الحقيقي للحرب العالمية الثانية. لقد جعلت اليابان من ( منشوريا ) دولة تابعة سميت ( منشوكو ). وفي سنة 1937م أقدمت اليابان على هجوم كبير ضد الصين، واحتلت معظم أراضي شرقي الصين في نهاية سنة 1938م رغم أن القطرين لم يكونا قد دخلا رسميا الحرب. وبدأ القادة العسكريون اليابانيون يتحدثون عن إخضاع كل شرقي آسيا تحت الحكم الياباني.لكن في ساعة مبكرة من صباح الأحد , 1941/12/7 , أقدمت اليابان على حين غرّة و دون إعلان مُسبق لحالة الحرب , بالهجوم على القاعدة الأمريكية ( بيل هاربر – Pearl Harbor ) , وهي القاعدة البحرية الرئيسية في جزر ( هاواي – Hawaii ) بالمحيط الهادئ .حيث انطلقت الطائرات المغيرة من على ظهر 6 حاملات طائرات ضمن أسطول البحرية الإمبراطورية اليابانية بقيادة الأدميرال ( إيسوروكو ياماموتو – Isoroku Yamamoto ) الذي غادر جزر ( الكوريل – Kuril ) بشمال اليابان سراً قبل الهجوم باثني عشر يوماً .و تمكنت الموجات المتلاحقة للطائرات اليابانية من إغراق و إعطاب 5 بوارج و 14 سفينة , ودمرت 188 طائرة , وقتلت من رجال البحرية الأمريكية أكثر من 2403 أشخص , إضافةً إلى 68 مدني ... و عادت الطائرات إلى حاملاتها دون أن تفقد سوى 29 طائرة من أصل
كانت نتيجة العملية مفاجأة مذهلة جداً للأمريكيين و للعالم , بل و لليابانيين أنفسهم الذي لم يتوقعوا هذا النجاح الباهر .
ولا شك أن الهجوم الياباني على ( بيل هاربر ) هو الذي حوّل الحرب الدائرة بين دول المحور من ناحية , و دول الحلفاء من ناحية أُخرى من حرب " أوروبية " إلى حرب عالمية حقاً ..
- بعض البوسترات الحربية التي ظهرت بعد حادثة ( بيرل هاربر ) -
في اليوم الثاني لهذا الهجوم ( 1941/12/8 ) أعلنت كل من أمريكا و الصين الحرب على اليابان و ألمانيا , و في 1941/12/10 أعلنت ألمانيا وإيطاليا الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية , و صارت الحرب الصينية اليابانية الثانية ( و التي ظلت دائرة منذ عام 1937 ) جزءاً من الحرب العالمية الثانية .
القوات اليابانية بعد احتلالها سنغافورة في الأول من فبراير , عام 1942 -
لم تتوقف اليابان عند ( بيرل هاربر ) بل مضت تجتاح جنوب شرق آسيا , فاجتاحت الملايو , هونج كونج , الفلبين , سنغافورة , سومطرة , و جاوة , و بورما , و أجزاء من غينيا الجديدة . . . حتى أنها كادت أن تظفر بالهند و استراليا لولا الانتصارات الأمريكية البحرية و الجوية الكبيرة .
ففي أكتوبر 1944 , أوقعت القوات الأمريكية بالأسطول الياباني هزيمة ساحقة في معركة ( خليج لايت – Leyte Gulf ) , فتآكلت القدرات العسكرية اليابانية بالتدريج حتى انهارت المقاومة اليابانية تماماً بعد إلقاء سلاح الجو الأمريكي قنبلتيه النوويتين على مدينتي ( هيروشيما – Hiroshima ) و ( ناجازاكي – Nagasaki ) يومي 1945/8/6 و 1945/8/9 لتعلن اليابان بعد ذلك استسلامها دون قيدٍ أو شرط في 1945/8/15 ...

- الجنرال ( دوغلاس ماك آرثر – Douglas MacArthur ) يوقّع وثيقة استسلام اليابان -
لم تتوقف اليابان عند ( بيرل هاربر ) بل مضت تجتاح جنوب شرق آسيا , فاجتاحت الملايو , هونج كونج , الفلبين , سنغافورة , سومطرة , و جاوة , و بورما , و أجزاء من غينيا الجديدة . . . حتى أنها كادت أن تظفر بالهند و استراليا لولا الانتصارات الأمريكية البحرية و الجوية الكبيرة .
ففي أكتوبر 1944 , أوقعت القوات الأمريكية بالأسطول الياباني هزيمة ساحقة في معركة ( خليج لايت – Leyte Gulf ) , فتآكلت القدرات العسكرية اليابانية بالتدريج حتى انهارت المقاومة اليابانية تماماً بعد إلقاء سلاح الجو الأمريكي قنبلتيه النوويتين على مدينتي ( هيروشيما – Hiroshima ) و ( ناجازاكي – Nagasaki ) يومي 1945/8/6 و 1945/8/9 لتعلن اليابان بعد ذلك استسلامها دون قيدٍ أو شرط في 1945/8/15 ...
- الوفد الياباني فوق ظهر البارجة ( ميسوري ) بعد توقيع وثيقة الاستسلام -
- جنود يابانيون يلقون بسيوف الساموراي أعلاناً لإستسلامهم
- جنود الحلفاء مبتهجين بالنصر
و بذلك تنتهي أضخم حربٍ شهدتها البشرية عبر تاريخها الطويل بالاستيقاظ على كابوسٍ جديد عَجِزَ الإنسان عن صرفه , و هو سباق التسلّح النووي ...
{ هيروشيما : 1945/8/6 }
في الساعة 2:52 فجراً , انطلق سرب من جزيرة ( تينيان – Tinian ) من المحيط الهادي باتجاه الجزر اليابانية , كان السرب مكوّناً من 3 قاذفات أمريكية من نوع Boeing B-29 Superfortress , الأولى كانت تحمل القنبلة النووية و قد سُمّيت ( إينولا جاي – Enola Gay ) وهو اسم والدة قائد الطائرة ( باول تيبتس – Paul Tibbets ) , أمّا الطائرة الثانية فكانت تحمل مخبراً كاملاً لدراسة استخدام " السلاح الجديد " , و الثالثة تحمل أدوات التصوير للقنبلة الجديدة وكانت تُسمّى بـ ( الشر الضروري - Necessary Evil ) ..
في حوالي الساعة 8:15 صباحاً تم إسقاط القنبلة على مركز مدينة ( هيروشيما ) , و كانت مزوّدة بمظلتين لتهبط ببطء فتتمكن القاذفات من الابتعاد عن موقع التفجير ... و لا شك أن عيون السكان ظلت ترقب ذلك الشيء الغريب الهابط على مدينتهم قبل أن تعمي الأبصار و تفنى الأجساد بوقوع الانفجار في تمام الساعة 8:16 صباحاً .انفجرت القنبلة وهي لا تزال على ارتفاع ما بين 550 و 600 متراً , و الأنكى أنها انفجرت فوق مستشفى ( كاآورو شيماس – Kaoru Shimas ) مما أدّى إلى تبخّر المستشفى بمن فيه على الفور ! حيث بلغت درجة الحرارة عند ( النقطة صفر – Ground Zero ) آلاف الدرجات المئوية ! , و تُركت ظلالاً للأشياء التي تبخّرت بفعل حرارة العالية لكرة اللهب , حتى للإنسان !دٌمِّرَ حوالي 13 كيلومتر مربّع من المدينة

قُتل على الفور 70.000 إلى 100.000 شخص , أي ما حوالي 30% من سكّان ( هيروشيما ) وقتها , منهم أكثر من 90% من الأطبّاء , و أكثر من 93% من الممرضين , كذلك أُصيب 70.000 شخص فور الإنفجار ..
وفي نهاية عام 1945 ازدادت عدد الوفيات نتيجة الانفجار ما بين 90.000 إلى 140.000 شخص .
و بعض الإحصائيات أشارت إلى عدد الوفيات وصل إلى 200.000 شخص بحلول عام 1950 . نتيجة أشعاعات ( جاما ) المميتة
يعللّ الأمريكون على هذه النسبة الكبيرة من القتلى إلى أن اليابانيين لم يأخذوا تحذيرهم على محمل الجد , حتى بعد إلقاء منشورات تأمرهم بإخلاء المدينة قبل أن تدكّها القاذفات الأمريكية و تسويّها بالأرض ..
لكن في حقيقة الأمر , ألقيت المنشورات بعد أن قُصفت ( هيروشيما )
المروّع في الأمر لم يكن في عدد القتلى , أو في حجم الدمار , بل في كمية الفعلية من اليورانيوم 235 التي انفجرت في قنبلة ( هيروشيما ) , إذ لم ينفجر منها سوى 2% فقط !!! , أي 700 جرام من أصل 60 كيلوجرام من اليورانيوم كانت داخل القنبلة !
لم يدرك المركز الرئيسي للاتصالات العسكرية في ( طوكيو ) أن هناك انقطاعاً كاملاً في اتصالاتها مع ( هيروشيما ) , فأرسلت القيادة اليابانية طائرة استطلاع , و بعد مرور 3 ساعات , و بينما هم على بعد 160 كيلومتر من ( هيروشيما ) , شاهد الطيارون سحابة ضخمة متشكّلة على هيئة فطر عملاق يبلغ طولها حوالي 10 كليومترات متكوّنة فوق المدينة ..
و عند وصولهم إلى المدينة لاحظوا أنها لا تزال تحترق , و استمرّت المدينة مشتعلة حتى المساء , إذ لم يعد هناك شيءٌ لتأكله النيران .
صورة من احدى القذافات الامريكية من السماء بعد الانفجار
{ ناجازاكي : 1945/8/9 }
تكرر المشهد الدموي مرّة أُخرى في ( ناجازاكي ) , بدعوى أن اليابان لم تعلن استسلامها بعد , حتى مع القاء القذائف الأمريكية منشورات تحذّر من ملاقاة مدن يابانية أُخرى نفس مصير ( هيروشيما ) . لكن هذه المنشورات لم تُلقى إلا بعد قصف ( ناجازاكي ) أيضاً !!
- صورة من أحدى هذه المنشورات -
مما لا شكّ فيه أن الجانب السيكولوجي لعب دوره عند الأمريكيين تجاه العرق الأصفر ذو العيون و الحواجب المقوّسة .العديد من المحللين التاريخيين يرجّحون هذا التصرّف إلى رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على اليابان . و المُلفت للنظر أن الرئيس الأمريكي آنذاك ( هاري ترومان ) قد صدّق على إلقاء القنبلتين منذ المرّة الأولى , و ليس بالتتالي , بحيث لا يترك المجال للحكومة اليابانية مُطلقاً في التفكير و مراجعة النفس !ففي الساعة 11:00 صباحاً , أسقطت القاذفة الأمريكية من نوع Boeing B-29 Superfortress , ذات الاسم الرمزي ( بوكسكار – Bockscar ) تحت قيادة ( تشارلز سويني – Charles Sweeney) , قنبلة ( الرجل السمين ) فوق مدينة ( ناجازاكي ) . مخطط للمسار الذي سلكته طائرة ( بوكسكار )وفي الساعة 11:01 صباحاً , انفجرت القنبلة على ارتفاع 496 متراً فوق المدينة , مما أدّى إلى توليد موجة حرارة شديدة وصلت إلى 3900 درجة مئوية , و إلى رياح عاتية بلغت سرعتها حوالي 1005 كيلومترات / الساعة !دٌمِّرَ حوالي 4.5 كيلومتر مربّع من المدينةقُتِلَ على الفور ما بين 39.000 و 75.000 شخصٍ , و أُصيب أيضاً حوالي 25.000 آخرين .و بحلول نهاية العام نفسه , و بداية العام الجديد , زادت الحصيلة لتصل إلى 80.000 قتيل , و ما بين 50.000 و 60.000 جريح ..و مرّةً أُخرى لم ينفجر كل كميّة البلوتونيوم 239 الموجودة في قنبلة ( الفتى السمين ) , لم ينفجر سوى 21% , أي حوالي 1.3 كيلوجرام من أصل 6.2 كيلوجرام .

أولاً : إيقاف نهر الدم المتدفق من الطرفين ( بالأصح من الطرف الأمريكي ) , فمثلاً كلّف الأمريكيين لاحتلال جزيرة ( أوكيناوا - Okinawa ) اليابانية حوالي 79.000 ضحية , و حسب التقديرات الأولية لخسائر الأمريكيين في حال مهاجمتهم الجزر اليابانية لاحتلالها فقد يحتاجون إلى ما لا يقل عن نصف مليون ضحية أُخرى , مع الحاجة إلى 5 ملايين جندي آخر لاستتباب الهدوء في الجزر اليابانية !! .ثانياً : انتهى الإتحاد السوفييتي من حربه في الجبهة الألمانية النازية , و بدأت قواتها في الشرق الأقصى التحوّل ضد اليابان و بدأت بالدخول إلى ( منشوريا ) ثم احتلّوا جزر ( الكوريل ) اليابانية – التي لا تزال إلى الآن مُحتلّة من روسيا - , لذلك كان العسكريون الأمريكيون حريصين على استخدام القنبلة النووية ضد اليابان فوراً كي يعجلوا باستسلامها قبل تقدّم القوات السوفييتي نحوها , وحكمها بدون أن يضع السوفييت أيديهم في الطبخة , حيث أن انطباع الأمريكيين من الإتحاد السوفييتي أنه لن يخرج من البلد الذي دخله , كذلك ليس لدى الأمريكيين أي فكرة إلى مدى سوف ينتشرون .ثالثاً : كراهية وعقوبة اليابانيين بعد حادثة ميناء ( بيرل هاربر ) , فقد وصف الرئيس الأمريكي ( هاري ترومان - Harry Truman ) عن الشعب الياباني: " اليابانيون متوحشون , متعصبون , قُساة ولا يعرفون الرحمة ! " .و عندما سُئِلَ عمّا إذا كان إسقاط القنبلة الذرية أهم قرار اتخذه في حياته قال : " إن هذا محض اختلاق ! , ما هو إلا سلاح مثل قطعة ذخيرة للمدفعية , إن إلقاء هاتين القنبلتين على اليابان أنهى الحرب , و أنقذ أرواح نصف مليون شخص ! " بالطبع يقصد الجنود الأمريكيين الذي كان من المتوقّع أن تحصدهم المعارك التقليدية لو أن القتال استمر دائراً مع الجيش اليابانيكذلك يمكن رؤية كرههم الشديد بوضوح في لوحاتهم الإعلانية الحربية ..


لم يقتصر الأمر على ذلك بل تجنيد جميع وسائل الإعلام لتشويه صورة الشعب الياباني بأبشع الصور , حتى في أفلام الكرتون , كـ ( Walt Disney ) و ( Bugs Bunny ) على سبيل المثال .
و من المُلاحظ أن كل الدول التي خضعت للاستعمار الغربي تعرّضت , و لا زالت تتعرّض , لحملات ضارية من التشهير و التحقير , كحال العرب و المسلمين كمثالٍ على ذلك لا للحصر .
رابعاً : من الناحية السيكلوجية يجب أن يكون السلاح مروّعاً يدفع بالخوف إلى أعلى عتبة بحيث يمكن كسر ظهر اليابان بضربة واحدة , وهو ما يناسبها هذا السلاح الجديد .
لكن كان من الممكن تفادي الكارثة لو تم إبلاغ اليابان مسبقاً بموضوع القنبلة , و تفجيرها في منطقة خالية من السكّان في اليابان .. لكن تم الاتفاق بالأغلبية على أن تكون الضربة مفاجئة .
و لا ننسى أن الرئيس ( ترومان ) صدّق على إلقاء القنبلتين منذ المرة الأولى و ليس بالتتالي بحيث لا يترك المجال للحكومة اليابانية مطلقاً في التفكير و مراجعة النفس .
خامساً : كانت الولايات المتحدة تفكر في وقت ما بعد الحرب , و الكلمة السرية كانت تقول :"من يمتلك السلاح الذري سوف يسيطر على العالم " , ولذا برزت أمريكا بعد الحرب على أنها القوة الأعظم في العالم .
مع العلم بأنه من خلال المفاوضات السرية وقبل إلقاء القنبلة النووية على ( هيروشيما ) بثلاثة أيام , كانت اليابان مستعدّة للاستسلام , ولكن بالنسبة لأمريكا فقد تم إصدار الأوامر لفرقة الإعدام ... بالإبادة

تعتبر البرامج التي سيتم ذكرها هنا من أفضل البرامج الوثائقية التي تناولت كارثتي ( هيروشيما ) و ( ناجازاكي ) , بتحقيق وافٍ و تصوير حي لحجم الكارثة , و كيف عاش الناجون خلالها و ما عانوه من الآلام بقيت آثارها ممتدة إلى الآن .
كذلك مقابلات لبعض أفراد طاقم الطائرات الأمريكية التي أسقطت القنابل النووية على اليابان , و أيضاً مقابلات لبعض الناجين من سكان ( هيروشيما ) و ( ناجازاكي ) , من بينهم ( كيجي نجازاوا ) , و ( سوميترو تانيجوتشي ) اللذان سبق ذكرهما ..
أنصح الجميع و بشدّة بإقتناء هذين الفيلم , فهما من الوثائقيات النادرة التي تستحق المتابعة
يُسمّى في الولايات المتحدة الأمريكية :
Hiroshima: The First Weapon of Mass Destruction
النوع :
وثائقي / تاريخي
إخراج :
باول ويلمشورست - Paul Wilmshurst
مدّة العرض :
الشركة المُنتجة :
BBC
عُرِضَ لأول مرة :
2005/8/5
بمناسبة مرور 60 عاماً على كارثتي ( هيروشيما ) و ( ناجازاكي )
عُرِضَ على شاشة :
BBC One – Discovery Channel